محمد بن جرير الطبري

252

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

بغير مِيرَة ، وليظنوا أنّي قد أتيتهم بما يحبون ! ففعل ذلك ، فتحوَّل ما في غرائره من الرمل دقيقًا ، فلما صار إلى منزله نام . وقام أهله ، ففتحوا الغرائر ، فوجدوا دقيقًا ، فعجنوا منه وخبزوا . فاستيقظ ، فسألهم عن الدقيق الذي منه خبزوا ، فقالوا : من الدقيق الذي جئت به من عند خليلك ! فعلم ، فقال : نعم ! هو من خليلي الله ! قالوا : فسماه الله بذلك " خليلا " . ( 1 ) * * * القول في تأويل قوله تعالى { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا ( 126 ) } قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : " واتخذ الله إبراهيم خليلا " ، لطاعته ربَّه ، وإخلاصه العبادة له ، والمسارعةِ إلى رضاه ومحبته ، لا من حاجةٍ به إليه وإلى خُلَّته . وكيف يحتاج إليه وإلى خلَّته ، وله ما في السماوات وما في الأرض من قليل وكثير مِلْكًا ، والمالك الذي إليه حاجة مُلْكه ، دون حاجته إليه ؟ يقول : ( 2 ) فكذلك حاجة إبراهيم إليه ، لا حاجته إليه فيتخذه من أجل حاجته إليه خليلا ولكنه اتخذه خليلا لمسارعته إلى رضاه ومحبته . يقول : فكذلك فسارعوا إلى رضايَ ومحبتي لأتخذكم لي أولياء = " وكان الله بكل شيء محيطًا " ، ولم يزل الله محصيًا لكل ما هو فاعله عبادُه من خير وشرّ ، عالمًا بذلك ، لا يخفى عليه شيء منه ، ولا يعزب عنه منه مثقال ذرَّة . ( 3 ) * * *

--> ( 1 ) هذا دليل آخر على اختصار أبي جعفر تفسيره في مواضع ، كما قيل في ترجمته . فلولا الاختصار ، لساق أخبار إبراهيم عليه وعلى نبينا صلى الله عليهما السلام . وقد سلفت أخبار إبراهيم في مواضع متفرقة من التفسير . ( 2 ) قوله : " يقول " ليست في المطبوعة ، وهي ثابتة في المخطوطة . ( 3 ) انظر تفسير " كان " بمعنى : لم يزل ، فيما سلف في فهارس اللغة ( كون ) = وتفسير " الإحاطة " و " محيط " فيما سلف ص : 193 ، تعليق : 1 . والمراجع هناك .